محمد بن جرير الطبري
255
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فيما بلغني فيه بقوله : ثم كان من الذين آمنوا كأن معناه : كان عنده ، فلا فك رقبة ، ولا أطعم ، ثم كان من الذين آمنوا . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة والشأم فك رقبة على الإضافة أو إطعام على وجه المصدر . والصواب من القول في ذلك : أنهما قراءتان معروفتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، وتأويل مفهوم ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . فقراءته إذا قرئ على وجه الفعل تأويله : فلا اقتحم العقبة ، لا فك رقبة ، ولا أطعم ، ثم كان من الذين آمنوا ، وما أدراك ما العقبة على التعجب والتعظيم . وهذه القراءة أحسن مخرجا في العربية ، لان الاطعام اسم ، وقوله : ثم كان من الذين آمنوا فعل ، والعرب تؤثر رد الأسماء على الأسماء مثلها ، والأفعال على الأفعال ، ولو كان مجئ التنزيل ثم إن كان من الذين آمنوا ، كان أحسن ، وأشبه بالاطعام والفك من ثم كان ، ولذلك قلت : فك رقبة أو أطعم أوجه في العربية من الآخر ، وإن كان للآخر وجه معروف ، ووجهه أن تضمر أن ثم تلقى ، كما قال طرفة بن العبد : ألا أيهاذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي بمعنى : ألا أيهاذا الزاجري أن أحضر الوغى . وفي قوله : أن أشهد الدلالة البينة على أنها معطوفة على أن أخرى مثلها ، قد تقدمت قبلها ، فذلك وجه جوازه . وإذا وجه الكلام إلى هذا الوجه كان قوله : فك رقبة أو إطعام تفسيرا لقوله : وما أدراك ما العقبة كأنه قيل : وما أدراك ما العقبة ؟ هي فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة كما قال جل ثناؤه : وما أدراك ماهية ، ثم قال : نار حامية مفسرا لقوله : وأمه هاوية ، ثم قال : وما أدراك ما الهاوية ؟ هي نار حامية . وقوله : أو أطعم في يوم ذي مسغبة يقول : أو أطعم في يوم ذي مجاعة ، والساغب : الجائع .